ابن كثير
439
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
من الصوت العظيم ، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات ، الصم الشامخات ، وتقف له الطيور السارحات ، والغاديات ، والرائحات ، وتجاوبه بأنواع اللغات . وفي الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، سمع صوت أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه يقرأ من الليل ، فوقف فاستمع لقراءته ، ثم قال صلى اللّه عليه وسلم « لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود » « 1 » . وقال أبو عثمان النهدي : ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه ، ومعنى قوله تعالى : أَوِّبِي أي سبحي ، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد ، وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة ، وفي هذا نظر ، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع ، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها . وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه - الجمل - في باب النداء منه يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ أي سيري معه بالنهار كله ، والتأويب سير النهار كله ، والإسآد سير الليل كله ، وهذا لفظه ، وهو غريب جدا لم أره لغيره ، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة ، لكنه بعيد في معنى الآية هاهنا ، والصواب أن المعنى في قوله تعالى : أَوِّبِي مَعَهُ أي رجعي مسبحة معه كما تقدم ، واللّه أعلم . وقوله تعالى : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم : كان لا يحتاج أن يدخله نارا ولا يضربه بمطرقة ، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط ، ولهذا قال تعالى : أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وهي الدروع قال قتادة ، وهو أول من عملها من الخلق ، وإنما كانت قبل ذلك صفائح . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا ابن سماعة حدثنا ابن ضمرة عن ابن شوذب قال : كان داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعا فيبيعها بستة آلاف درهم ، ألفين له ، ولأهله ، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ هذا إرشاد من اللّه تعالى لنبيه داود عليه السلام في تعليمه صنعة الدروع وقال مجاهد في قوله تعالى : وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة ، ولا تغلظه فيقصمها واجعله بقدر ، وقال الحكم بن عيينة : لا تغلظه فيقصم ، ولا تدقه فيقلق ، وهكذا روي عن قتادة وغير واحد ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : السرد حلق الحديد . وقال بعضهم : يقال درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق ، واستشهد بقول الشاعر [ الكامل ] : وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السّوابغ تبّع « 2 »
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في فضائل القرآن باب 31 ، ومسلم في المسافرين حديث 235 ، 236 . ( 2 ) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في سر صناعة الإعراب 2 / 760 ، وشرح أشعار الهذليين 1 / 39 ، وشرح المفصل 3 / 59 ، ولسان العرب ( تبع ) ، ( صنع ) ، ( قضى ) ، والمعاني الكبير ص 1039 ، وتاج العروس ( صنع ) ، ( قضى ) ، وبلا نسبة في شرح المفصل 3 / 58 .